محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تصبروا وتتقوا ، لا يضركم كيدهم شيئا ، وينصركم ربكم ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ على أعدائكم وَأَنْتُمْ يومئذ أَذِلَّةٌ يعني قليلون ، في غير منعة من الناس ، حتى أظهركم الله على عدوكم مع كثرة عددهم ، وقلة عددكم ، وأنتم اليوم أكثر عددا منكم حينئذ ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم فَاتَّقُوا اللَّهَ يقول تعالى ذكره : فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول : لتشكروه على ما من به عليكم من النصر على أعدائكم ، وإظهار دينكم ، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ يقول : وأنتم أقل عددا ، وأضعف قوة . فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي فاتقون ، فإنه شكر نعمتي . واختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر بدرا ، فقال بعضهم : سمي بذلك لأنه كان ماء لرجل يسمى بدرا ، فسمي باسم صاحبه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن زكريا ، عن الشعبي ، قال : كانت بدر لرجل يقال له بدر ، فسميت به . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا زكريا ، عن الشعبي أنه قال : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ قال : كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر ، فسميت به . وأنكر ذلك آخرون وقالوا : ذلك اسم سميت به البقعة كما سمي سائر البلدان بأسمائها ذكر من قال ذلك : حدثنا الحرث بن محمد ، قال : ثنا ابن سعد ، قال : ثنا محمد بن عمر الواقدي ، قال : ثنا منصور ، عن أبي الأسود ، عن زكريا ، عن الشعبي ، قال : إنما سمي بدرا لأنه كان ماء لرجل من جهينة يقال له بدر . وقال الحرث : قال ابن سعد : قال الواقدي فذكرت ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح ، فأنكراه ، وقالا : فلأي شيء سميت الصفراء ؟ ولأي شيء سميت الحمراء ؟ ولأي شيء سمي رابغ ؟ هذا ليس بشيء ، إنما هو اسم الموضع . قال : وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري ، فقال : سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون : هو ماؤنا ومنزلنا ، وما ملكه أحد قط يقال له بدر ، وما هو من بلاد جهينة إنما هي بلاد غفار . قال الواقدي : فهذا المعروف عندنا . حدثنا عن الحسن بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : بدر ماء عن يمين طريق مكة بين مكة والمدينة . وأما قوله : أَذِلَّةٌ فإنه جمع ذليل ، كما الأعزة جمع عزيز ، والألبة جمع لبيب . وإنما سماهم الله عز وجل أذلة لقلة عددهم ، لأنهم كانوا ثلاثمائة نفس وبضعة عشر ، وعدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف ، على ما قد بينا فيما مضى ، فجعلهم لقلة عددهم أذلة . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وبدر : ماء بين مكة والمدينة ، التقى عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم والمشركون ، وكان أول قتال قاتله نبي الله صلى الله عليه وسلم . وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ : " أنتم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت " : فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، والمشركون يومئذ ألف أو راهقوا ذلك . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر ، عن عباد ، عن الحسن في قوله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ قال : يقول : وأنتم أذلة قليل ، وهم يومئذ بضعة عشر وثلاثمائة . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، نحو قول قتادة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أقل عددا وأضعف قوة . وأما قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فإن تأويله كالذي قد بينت كما : حدثنا ابن حميد ، قال ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي فاتقوني ، فإنه شكر نعمي . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ . . . مِنْ فَوْرِهِمْ هذا